أبي طالب المكي

53

علم القلوب

قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم « 1 » . وقد استعاذ الرسول صلى اللّه عليه وسلم من العلم ، وهو العلم الذي لا ينفع صاحبه ، كما استعاذ من الشرك والشقاق ، ومساوئ الأخلاق ، فقال : « أعوذ بك من علم لا ينفع » ، ثم قال في حديث آخر : « العلم علمان ، علم ظاهر ، فذلك حجة اللّه على خلقه ، وعلم باطن ، فذلك العلم النافع » . والذي لا ينفع صاحبه من العلوم ليس هو العلم الباطن ، والعلم الظاهر يحتاج إلى تقوى ، فإذا لم يكن معه تقوى ، فهو باب من أبواب الدنيا والهوى ، وقيل : العلم الباطن يخرج من القلب فيقع على القلب ، والعلم الظاهر يخرج من اللسان فلا يجاوز الآذان . وقال أبو طالب : العلم الظاهر من عالم الملك ، وهو من أعمال اللسان ، واللسان خزانة الملك ، وعلم الباطن من عالم الملكوت ، وهو من أعمال القلوب ، والقلب خزانة الملكوت . وكان حاتم الأصم أحد الحكماء ، فاجتمع إليه الناس يوما ، فقالوا له : اجلس في الجامع ، فإن الناس قد احتاجوا إليك ، فقال : لا يجلس في الجامع إلا جامع أو جاهل ، فلست بجامع ، ولا أحب أن أكون جاهلا ، فأكرهوه على ذلك حتى جلس ، فبينا [ هو ] ذات يوم في مجلسه ، إذ قال : يا أيها الناس ، جئتم لذكر اللّه ؟ قالوا : نعم ، قال : هل بكم ألم وجع الذنوب ؟ قالوا : نعم ، قال : فهل احتميتم لشرب الدواء ؟ قالوا : لا ،

--> ( 1 ) هذا مذهب الصوفية في تعلم العلم ، فهم يرون أن العلم المكتسب من الأوراق ليس بعلم ، وإنما هو علم تقليد ، وذوق مستعار ، والعلم كامن في كل روح إنسانية ، وإنما يمنعه من الظهور حجب النفس ، ومتى قام العبد على قدم التجرد للّه باتباع شعائره ، واجتناب مكارهه ، وصدق توجهه إلى ربه ، وصحت نيته ، وولى وجهه بعزم وثبات نحو الطريق ، انكشفت تلك الحجب ، وبرز العلم الكامن بمقدار ما في المريد من عزم الجذب من عالم الفيض . وقد برز هذا العلم على ألسنة بعض كبار الصوفية ، من الأميين الذين جهلوا القراءة والكتابة تماما ، من أمثال سيدي عبد العزيز الدباغ صاحب الإبرير ، وسيدي على الخواص ، وقد نقل الإمام الشعراني أبحاثه في العلم ، والسيدة عجم بنت النفيس البغدادية شارحة » المشاهد الإلهية » للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربى والقارئ ، لهؤلاء الأعلام يدرك المدى البعيد الذي وصلت إليه مداركهم . وقد برز كثير منهم في العلوم المختلفة حتى الجديد منها الآن . راجع المواقف للنفرى وغيره من الكتب التي تعرضت لحقائق التصوف .